محمد بن جعفر الكتاني

360

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

ولد - رحمه اللّه - بفاس ليلة الجمعة الخامس عشر من ربيع النبوي عام اثنين وأربعين وألف ، ونشأ بها في حجر أبيه في عفاف وصيانة ، وأخذ القرآن عن أبي زيد ابن القاضي وغيره ، والنحو عن أبيه وعن أبي العباس الزمّوري وأبي الحسن علي الزرهوني . . . وغيرهم ، وتلقى الفقه وغيره عن والده وعن أبي عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن ابن جلال ، وأبي العباس الأبار . . . وغيرهم ، وأخذ بالإجازة عن عم والده سيدي العربي الفاسي . وحج ؛ فأجازه الزين الطبري ، والشهرزوري ، والبابلي ، والشبراملسي ، والخرشي ، والزرقاني ، وغيرهم . وانتفع به هو خلائق ؛ منهم : سيدي عبد السلام القادري ، وشقيقه سيدي العربي ، وسيدي محمد بن عبد السلام البناني ، وأبو عبد اللّه المسناوي ، وسيدي إدريس المنجري . . . وغيرهم . وقد قال سيدي إدريس المذكور في ترجمته من فهرسته ما نصه : « ما رأت عيناي مثله فيمن لقيت من العلماء شرقا وغربا ، في حسن الخلق والخلق ، والحرص على العلم وبثه ، والاجتهاد في نصح عباد اللّه وحب الخير لهم ، كلهم عنده سواء القريب والبعيد ، وكان - رحمه اللّه - يعتريه ألم البواسير ، ويهيج عليه غاية حتى يتحمل من ذلك أمرا إمرا ، ومع ذلك لا يمتنع من تدريس العلم وتحمل مشاق الخلق وتسليتهم ، والذب عنهم . اختص دون علماء وقته بالصبر والسخاء ، والإيثار والخشية ، وحسن المروءة . بلغ في علم النحو والمعاني والبيان مبلغا لم يصله أحد من أترابه ولا من أشياخه ، [ 317 ] يدل على ذلك تصانيفه البديعة " كشرح الشواهد " ، و " شرح حصن الحصين " . . . وغير ذلك » . ه . والشواهد التي شرحها هي : " شواهد " ابن هشام . ومن جملة تآليفه : " شرح نظم نخبة ابن حجر في اصطلاح الحديث " لعم أبيه سيدي العربي ، و " شرح الطالع المشرق في سماء المنطق " له أيضا ؛ لكنه لم يكمله ، و " المباحث الإنشائية في الجملة الخبرية والإنشائية " ، و " رسالة بديعة في مسألة خلق الأفعال " رد بها على الشيخ إبراهيم الشهرزوري المدني ، ونظم في التوسل بالصحابة . . . إلى غير ذلك . وأما تقاييده في كل مشكل من أكثر الفنون وفتاويه في نوازل الفقه ، فمما لا تسعه الدفاتر لو جمع وهو الذي جمع " حاشية العارف الفاسي على المختصر " ، و " حاشيته على المحلي " ، وأكمل حاشيته على " الجلالين " ؛ بالجمع لكون والده جمعها إلى سورة طه . وكانت له الحرمة الكبيرة عند السلطان وجميع أكابر الدولة ، لا يشفع في شيء إلا شفعوه في الحال ، وكان قد لازم داره نحو سبع سنين حتى تبادر للعامة أنه زمن ، وكان يأتيه الكبراء والرؤساء فيخضعون بين يديه ، وقد يستأذنون عليه ، فلا يأذن لهم ويرجعون .